لرُبما يكونُ فيروس "الهوس" بالثلج وإقترابُ ما يُسمى بالموجةِ القُطبية أسرعُ إنتشاراً -من النارِ في الهَشيم- بين الناس في البيوتِ في المدارسِ في الجامعاتِ ... وفي الشارع ,وأنا واحدٌ من عامةِ هؤلاء الناس ما أن تَناهى لمسامعي نبأُ إقترابِ هذهِ "الجبهه" حتى بدأت التحركاتُ العسكريةُ تَأخذُ أُهبَتها على أتمِّ إستعداد، سُولار في البويلر ، تَموين الخزائن بما لذَ وطاب من التسالي حُلوها ومالحها ,ﺁه وطبعاً لا أنسى نصيب "الفريزر"! وكيفَ أنساها ولها نصيبُ الأسد على المائده في هكذا أوقات! تَوجهتُ إلى اللحام أو "الجزار" , إختر أنت التسميه التي تُريدُ له, المهم أن أبو على مُبدع فنان في إختيار نَوعية اللحوم التي لديه وكعادتي عندما أصلُ إليه يَتلقَفُني بالتهليل والأحضان وحَلفِ الأيمان بأن يُضَّيفَني "إستكانة" شاي ولا أدري لما في هذه المره وافقت!!! وأخذتُ كُرسياً إلى جانبِ الكاونترِ لديه وبدأنا حديثاً كأي حديث إلى أن يَجهزَ طَلبي وأحصلَ على مُرادي ,وطبعاً ونُزولاً عنَد رَغبتي كان العاملُ الذي لديه يُزيلُ القطع الدُهنيه التي لا أرغبُ بها, وإسترعى إنتباهي أنهُ لم يَكُن ليُلقيَها في "الزُباله"!!! إستغربت!!! وطوالَ الوقت الذي كان فيه أبوعلى مُسترسلاً في الحديث كانت عينايَّ مُعلقتان بمجموعةِ القطعِ الدبقةِ البيضاء المُتراكمه فوق بعضِها البعض و أنتظرت ... وإذ بالعامل يَجمعُها ويَضعُها في كيسٍ ويلقيهِ جانباً!! قُلتُ في نفسي ربما لديه كلبٌ أو قطٌ وسيُطعمهُ إياها لاحقاً ..ربما!! وربما... وقطعَ عليَّ تسؤلاتي صوتُ إمراةٍ إقتربت من الكاونترِ على إستحياء... همست ببضع كلمات لم أسمعها جيداً وأخرجت من محفظتها المُمزقةِ ـ على عَجلٍ ـ ديناراً أعطته لِأبوعلي والذي بدوره أعطاها كيسَ القِطعِ الدبقةِ البيضاء!!
تَسمرتُ في مكاني.. شُلَّت أفكاري وعُقِدَ لساني ولا أدري كيفَ وجدتُ نفسي أمامَ بيتي أتمايلُ كالبطريق بين كيس اللحمِ الأحمر في يُمناي وأخر فيه دجاجٌ وسمكٌ في يُسراي!!!
وجاءَ الضيف وأستمتعَ الجميعُ بصُحبته... أولادي, زَوجتي وجيراني إﻻ أنا!!!!
أَحسَستُ بِسماجتِه وثِقلِ ريشه على صدري حتى اللحم الأحمر باتَ ثقيلاً في مِعدتي وأستعجلتُ رَحيلَهُ ظناً مني أن مع ذوبانه سَتُذابُ من ذاكرتي تلكَ القطع البيضاء الدبقه ويَنمحى معها شُعوري بالذنب.. ويضمحل... ويضمحل,,, ويضمحل وتَكبُرُ الهُوَه وتَتَسِعُ الفَجوه و أَردِمُها رَدماً بِقهقهةٍ و "سَكنِ سيجارٍ" في مكتبي قائلاً:
هذه هي عدالةُ الحياه وليحمد فُقراؤُها أننا تَركنا لهم ما تَركنا..... إذا............. تَركنا !!