الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

الـ حُفـــــــــــــــــــــــاة

  بـ فطرتي التي جُبلتُ عليها , بـ سجيتي التي أَبتْ أن تُكبّلَ أو أن تُروض... أو أن تُحرفَ بوصلتُها التي ما فتئتْ  مُنذُ نعومةِ أظافري لا تَنبِضُ  إلا لهذه الارض !!!.....

أرضٌ إعتدتُ أن أسيرَ حافيةَ القدمين على تُرابها الذي لوحته شمسُ الأفولِ ونارُ أفران الطابون مُلتمسةً دفئاً لا يَتسربُ إلا بملامسةٍ شفافةٍ خاليةِ الشهوة منزوعةِ الرغبات إلا من صدقِ المشاعر واﻹنتماءات ....

إعتدتُ أن أسيرَ حافيةَ القدمين كلما دارت برأسي حُمى الولهِ والعشقِ للقابعين خلفَ التلال فـ أستجدي من بردِ البلاط في البيوت والأبنية شفاءاً لسقم الجسد والقلب معاً فـ أنتشي بـ أحلامٍ لا تَلبثُ أن تَتطايرَ مع دُخانِ المداخنِ لـ صوباتِ الكاز والبواري في الفضاءات وفي الحواري ...

إعتدتُ أن أسيرَ حافية القدمين كلما زادت ضغوطات الحياة وأثقلت كاهلي همومها فـ لا أجدُ متنفساً  منها إلا بالسير على الحصى في شوارعها وأزقتها لعلَ سيلَ الدم المتقطع يترك وسمَ العودةِ لمن أسعفتهُ الأقدار فـ عاد مع من عاد الى الديار.......!!

أما إذا ما نازعتني وغالبتني الأشواق وأطبقت عليَّ الخِناق لرؤيةِ الأوطان البعيدة في الأصقاع  فلا أجدُ بُداً من أن أرتديَ في حضورها "كَعب أبو 10 سم"!!.. ............... كي أُلّوحَ لها من وراء الحدود والثكنات وأشجار الزيتون وخمائل الموز بيديين  عاريتين إلا .......... إلا من الحب! .... ثم أعود مُطأطئةً هامتي حاملةً عجزي بين أضلُعي مُتنهدة بـ كمٍ هائلٍ من الزفرات والأهات ولسانُ حالي يتمنى ويتلوى :

- إيمــــــــتى يا ليــــــــــل بدك تِنجلي ساحباً من ورائك كمّْ الفساد ...أعشاش الفتن و غرابيب الخسةِ والطائفية عن أرض الحُفاةِ ...أشباهي  ؟؟!!
- إيمــــــــتى يا ليــــــــــل بدك تلملم من ورائك عن أرض الرباط أشلاء الغُزاة وفولول الطُغاة وأشباه الرجال ممن خانوا شعوبهم  ونكّلوا بـ عروبتهم؟؟!!! ... إيمــــــــتى ؟؟!!

فـ أستفيق وتَستفيقُ غرائزي تِبعاً من حالة الهيام ويأس الـ لامعقول إلى واقعٍ دراماتيكي لا يَحملُ بين طياتهِ إلا إيذانًا  بالذود عن هذه الأمال أو اﻹستبسال بالنفس والمال طمعاً بالحفاظ على حفنةٍ من تُراب!!... لا فرق عندي إن كانت من هنا أو من هناك فـ الأمرُ سيان .......و أنا لي معشوقان لن يكتملَ وجودُ أحدهما إلا بـ بُزوغ نجم الأخر !

الخميس، 2 أغسطس 2012

حواجـــــــــــــــــــــــــــز "1"- منســـــــــــف


مُنذ أيامٍ خلتْ ومضتْ لكنها ليست ببعيدة إلا أن النسيان طواها وأسدلَ عليها سِتراً من غبارٍ لا يَلبثُ أن يَنفَضَّ على غيرِ وجهةٍ إذا ما استُدرِجتْ ذكرياتنا سهواً مّنا أو عن سابق إصرارٍ وتَرصّد  وإذا ما كانت مع أقرب وأعزِ الناس إلى  أفئدتنا على حدٍ سواء....
كـ عادتي أخذتُ مجلسي إلى جانب والدي أنتظرُ مع إخواتي- بفارغِ الصبر و قد أخذَ الجوعُ منّا مَأخذهُ - صدر المنسف ليَحلَ ضيفاً عزيزاً على مائدةِ الغداء , و كـ ما جرت العادة نَتقلدُ نحن الفتيات ملاعِقنا مُستعدين ﻹستقبال ما قد تَعُبُّهُ  لنا  والدتي من الأرز واللحم والجميد لكلِ واحدةٍ منا في  صَحنِها فيما يتمركزُ أبي وإخوتي الصبيه في أماكِنهم مُتحلقين "صدر المنسف" ثم لا يَلبثون أن يَنهالوا عليه ضَرباً  بأيديهم مُتلذذين بـ مُداعبةِ  الأرز والجميد لـ أصابعهم ......ومن دون قصدٍ مني كانت عينيَّ دائماً تَرقُبانِ والدي وهو يغترف بيده اليمنى –مستخدماً ثلاثةَ أصابعَ فقط- كُتلةً من الأرُزِ المُشَرَّبِ بالجميد والمزروع في أوسطها قطعةٌ من اللحم ثم لا يلبثُ أن يبدأ بـ عمليةِ التكويرِ والتدوير      فـ تستحيلُ الكتلة ُ "طابةً" صغيرةً يَستقبلُها فَغْرُ فاهِهِ بمجرد أن يُلقيَ بها مُستعيناً ﺒﺈبهامه كما المنجنيق ليُدخِلَ الهدفَ في المرمى ﺒﺈبداعٍ وتصويب !!! ...وفي ذلك اليوم إلتفتَ إليَّ  والدي مُمازحاً: شو يابا بدك تجربي ؟
دارتْ مُقلتايْ في أحداقي و ابتسمتُ ببراءةِ طِفلةٍ لم تَتجاوزِ العاشرةَ من عمرها و أومأتُ برأسي مُعلنةً مُوافقتي !!!  فما كان من والدي إلا أن أعطاني أول أمرٍ يَتطلبهُ أكلُ المنسف على طريقةِ "الرجـــــــــــــــــال"!....
:- يابا روحي غسلي ايديكي وما تنسي "تشمري" يابا كمامك!!
وعلى عجلٍ قُمتُ من مكاني مُتخطيةً رؤوسَ إخوتي الصبيه التي بدى على مُحياها اﻹندهاشُ حتى أن أحدهم قال : يابا هاي بنت ما بيصيرش تاكل إلا بالمعلقه!! 
:- عادي ما بتفرقش يابا فش فيها إشي... زيـــــــها زيكم !!  يلا يابا روحي غسلي إيديكي....
و ما أن  نطق والدي بهذه الكلمةِ الأخيرةِ حتى انفجرَ معها استهجانُ والدتي التي قالت مستنكرة غاضبة: كيف يعني بدها تاكل المنسف بايدها؟!!!! بكره قُدام الناس بتبطل تعرف تاكل بالمعلقه إنت عم بتعودها ع إشي مش لمصلحتها كـ بنت وأصلا عيب !!! كتير عيب البنت تاكل ﺒﺈيدها!!! 
عُدت إلى المائده وكُلي حَماسٌ لـ خَوضِ العِراكِ مع المنسف اللذيذ على طريقة "الرجـال" و لم أُلقي بالاً لِنظراتِ اﻹشمئزاز التي اعتلتْ وجه أُختيَّ ووالدتي التي بدا جلياً  أن ما أنا مُقدمةٌ عليه لن ينال إعجابها  ولا استحسانها البته!! أما أبي فـ كان سعيداً مستمتعاً لدرجةِ أنه قد نَسيَ معها خوضَ "عراكه الخاص" فـ تعليمي أكلَ المنسف بهذه الطريقه إستحوذ عليه وهو الذي كان دائماً يصبوا إلى الكمالِ واﻹتقان في كل ما يفعل ضارباً بعرض الحائط كلمة"عيـــــــــــــــــــــب" ومن تَبِعها!!!
أنهيتُ طعامي ويداي مُلطختان تماماً بالأرز والشراب  حدَّ أكواعي ,حتى وجهيَّ و شعري لم يسلما من أثار النزال  لكنَّ فرحةً غامرةً ملأتْ قلبيَ الصغير....
 و اتخذتها عادة!!!!!...... مع كُلِ أكلة منسف أتمركزُ مُتخذةً مكاني إلى جانب والدي الأيمن فـ أَنهلُ  منه ومن المنسف ما استطعتُ بكلتا يدي إلى أن كَبُرتُ واستهوتني العادةُ فـ أتقنتُها ثم ما لبثتْ أن أصبحت مادةً للتَنَدُّرِ في العائلة حتى إن  إخوتي الصبيه وأمي ما عادوا يلقوا لها هماً بل على العكس كُلما حَضر صدر المنسف يبدأ المزاح موجهاً إلي : شو يا منال يلا نعطيها باﻹيدين !! 
ليس الهدف  من نقل هكذا تجربة بسيطة مشاركةَ العامةِ لذكرى خاصة وإنما الغايةُ  منها إقتلاعَ مفهوم العيـــــــــــب الذي ذبحنا وأعيا كواهلنا فـ عَظُمَ شأنه فوق أوامر الرب  وباتت الأولوية له على ما هو حلال أو حرام!! وليس هذا فحسب المنسف بالنسبة لنا هويةٌ وطنيةٌ!! وأكل المنسف على "طريقة الرجال" يتعدى كينونةَ الأُنثى أو عموميةَ الذكر إلى درجةِ كسرِ الحواجز والملاعق بين المواطن ووطنه وهويته وخَلقِ دائرةٍ من التواصل واﻹنسجام بين كُلٍ منهما تتعدى مفهوم "البرستيج" الذي اُتخمت به مكاتب المسؤول الفلاني والعلاني فكان عقبةً بين نداء الوطن و حق المواطن فـ هل من متذكر للعبره!!!