فاجأتني حفيدتي بزيارةٍ قادمةٍ من دُجنةِ
المستقبل ...من ظُلمة المجهول ...تَسيرُ بـ خُطىً مُسرعة مُتعثرة وأنفاس لاهثة إلى
أن أسعفتها قواها فارتمت في أحضاني صارخة:- خبيني يا ستي خبيني...
باغتتني
لحظة تـِــــــــيهٍ ولم أدري كيف أتصرف وأنا بَعدُ لم أنل شرف الأمومة لأنتقل بـ
طَرفةِ عين وأُمسي هكذا و من دون سابق تَحضير ..."سِتها"!
عاجلتني
غريزةُ الأنثى في داخلي فـ أخذتُ دَوري بتهدئة رَوعِها و طمأنَتِها ومن حولي طائرُ
الغمام يحوم حاملاً ألف سؤال و سؤال وعيناني تَسترقان النظر إلى زاويةِ النافذة
لعلّي ألمحُ انعكاس خطوط الزمان على وجهي .... لعلّي أرى ابيضاض ذوائب شعري من
خلالها لكنَّ جسد حفيدتي النحيل بين يدي خلعَ عني ذاتيَّ المتصابية وألبسني ثوب
وقارٍ وسكينه فـ سألتُها : مم كنتِ تهرُبين ؟
قالت
البنية بكل تَؤدةٍ ورَويه: كنتُ أهرب جَزعةً من إرثكم الذي تَركتُموهُ لنا يا
ســـِتي.........… من انحداركم آلـ لا مسؤول الذي ترك لنا الفُتات خَليفةً للموائد
والولائم التي أقمتموها على كاهل الأوطان والشعوب… من بَيعكم
للـ"حاكوره" للبقرةِ الحلوب للنهرِ الجاري في لحظةِ ضعفٍ ونشوةِ كأس..
من يدٍ طالت فامتدت لـ تُتخم جيوب أصحابها من قوتِ "الغلابى" فـ تَتركنا
لاجئين مُشردين في عقر دارنا…..
سِـــــــــتي....
لِمَ يمتطي العربيُ لعدةِ عقودٍ ظهر وطنه, فيبني فيه حياةً ,مليئةً بقبائلِ
الأبناءِ والبنات, بعديدِ الطبخاتِ , بزخمِ الذكرياتِ ,وَبعدَ أن يَمتصَ ما فيه من
خيرات غير عابئ بالآهات يسير مُخلفاً وراؤه أكواما من الرماد والحطام , يُناظرُ من
أمامه البلدان َ ,يتخيّرُ له أرضا أخرى لكن هذه المرة.... لـ تــَـمتطيه
هـــــــــي!؟
وحفيدتي
تنتظرُ إجابتي وأنا أجلسُ أمامها فاغرة فاهي لا أنبس ببنت شفه .....جوفاء كطبل
خالٍ من الإجاباتِ
..!
حفيدتي
تنظر إليَّ بـ إلحاح تسألني: يا ســــــتي "ليش" العربي حين يُطبّق كافة
َ الأمورِ يُطبقها بإعوجاجٍ "يَســـــــطح"!! فـ تراهُ يسجنُ مؤبداً لمن
قتل ألوفاً و جوّع ملايين و نكّل بحياتهم ؟! وتراهُ يشقُ طريق الصمتِ مُخاطباً
ذاته: "اخرسْ, طأطيءْ رأسك حينما تُسلب حقوقك و تَظاهر بالعمى والطرش كعاهةٍ
أنجبتها أمك ؟! وإذا أراد أن يتمرد أبدع وتفنن في إظهار موهبته فيـولّع نفسه
بكبريت من دون كاز ليُسعدَ الجماهير ويُحلَّقهم بعجزٍ من حوله !؟
و
تُسهب حفيدتي قائلة بصوتٍ خافتٍ : يا ستي ليش كل "زلام" العرب هيك؟!!
أجبتها
متلعثمة: لا يا صغيرتي .. فالرجلُ الإنسان, يتزوجُ ذكرى وطنه وهي أكبر وأقوى منُ
قوافلِ المناصب والمُغريات …..
الرجل
الإنسان يُنازلُ الشدائد ما استطاع ......
ومن
دون وعٍ أُلجِمَ لساني..... ولكأن عقلي قد أرَّقته الظنون فاستوقفَ الكلمات
مُرتاباً
.....
وبذكاء
العربي استطردتُ قائلةً:عودي أدراجك يا حلوتي إلى المستقبلِ.. لا عليكِ بـ
"أورام" هذا العصر ..عودي لـلأرجوحةِ ,لـلعبتك المكسوره ,لـلخُرافةِ
التي سأقُصّها عليكِ حين تلوذين يوما ما إلى الأحلام....