حافيةَ القدمين ...تَسيرُ مُتأبطةً فردتي حِذائها هائمةً على وجها تَتعثرُ خَطواتُها بحفرةِ ماءٍ قذر أو بقطعةِ حصىً لم تَنتبه لها فداستها غير عابئةٍ بالألم الناجم عنها.... تُنادى في حيرةٍ وصوتٍ مَشروخ: "وينَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــك"!
استيقظت فزعةً ولسانُ حالها يقول: "عن جد"....... وينَـــــــــــك؟!
ارتدت ملابسها على عجل وحين همّت بالخروج استوقفتها المرآةُ المعلقة على حائط الممر المؤدي للبابِ الخارجي فوقفت تَستطلعُ تَضاريس وجها الشاحب وأثارُ التعب والأعياء باديةٌ عليه ....مررت أناملها على حاجبيها بحركةٍ إعتادتها كلما تَكاثرت في رأسها الأفكار وعامت في مؤقتيها الدموع فاخذت تُمسِّدُ الشعر القصيرَ المُتمردْ مُحدقةً بكل بلاهةٍ ﺒﺈنعكاسِ أحداثِ "معركة-الأمس" على وجهها المُنهك.... وبدأت الأصواتُ تَعلوا شيئا فشيئا .....وتدافعت كلمات المتشدقين وأرائهم كلٌ حسب ما يراهُ أنه الأصحُ والأنسب له أو لها على حدٍ سواء....
فـ ذاك يقول : لمَ عليكِ أن ترفضي؟!... تأني ... لا تَنسَي أن هذا "الشاب" من عائلةِ حسبٍ ونسب و كُلنا على قدرٍ ومعرفة بأهلهِ وإخوانه وأخواته ....
وذاك يقول: "طيب ليش"؟ ....شو عم تستني ؟ وما تستعجلي بالرفض لانه "مش راح يجيكي احسن من هيك "...
وتلك تقول بلسان الجده: ظل رِجّال ولا ظل حيطه و على الاقل لو ما ارتحتي يتكوني جبتي منه ولد وسند لأخر عمرك!
وأخر يَتخبط بكُلِ غباءٍ محاولاً أن يُطبقَ عليها الخِناق فتراهُ يُلَّمع ويَصقل مَحاسن "العريس" مُمارساً بذلك طقوساً من ضغطِ وكبس الزيتون عليها لعلّهُ بذلك يَظفر منها بموافقةٍ مبدئيةٍ مُفتقراً للوعي والدِرايه أنه بهذا لا يَزيدُها إلا تَعنُتاً على موقفها و إصراراً على رفضها!
حاولتْ جاهدةً أن تَضبطَ أعصابها... أن تَتخير كلماتِها لتُغلقَ عليهم كُلَ المنافذ والأبواب ....أنا لن أعيش مع حسبٍ و نسبٍ! ...أنا لن "أتصبَّح" و"أتمَّسى" بفضائل إخوانه وأخواته, فما يعنيني في رفضي لشخصه أنني تَيقنت أن "عريسكم اللقطه" يَقطنُ متقوقعاً جبلاً في الشمال, مُستقراً ها هناك لن يتزحزح عنه وأنا قابعةٌ على تلةٍ في أقصى الجنوب ومهما لفتْ و تكورت ودارت الأرضُ حولَ نفسها لن تَلتقي سِهامُ أفكارِنا معاً !
وأنا لا يعنيني أن أُنجب طفلاً وأُلحقهُ بـ طابور "المواليد البؤساء" وحين يَصرخ مُناديا أباه أقفُ أمامهُ مُتلعثمةً غيرَ قادرةٍ على إخباره أنه يتيمٌ لأبٍ يَأكلُ ويَتنفسُ بكل أنانيةٍ بين أحضانِ إمرأةٍ أُخرى!...
إنَ جُلَ ما يعنيني "روحٌ" أتوافقُ وأتناغمُ معها وأنطوي بكلِ أمانٍ تحتَ جناحيها لـ نتجاوز معاً عثرات الزمان ..... لأتشاطر معها ما قد يُثقل كاهلي ويُعيِّي حيلتي في البقية المتبقية لي من هذا المشوار , لانه و بكل بساطةٍ...سأحتاجُ إليه ليكونَ "معـــــــــــــي" و إلى جانبي في جوفِ الليل و عتمةِ المستقبل!
اعترتها قشعريرةٌ اجتاحت جسدها كله بلا استأذان ورعشةُ خوفٍ في داخلها تسري ولا تَملِكُ إيقافها , إلى أن جاء من خلفها صوتٌ حنونٌ يهمسُ في أُذنها قائلاً : رَفضُ الأُنثى لذكوريةِ مُجتمعنا بذريعة "اﻹنسجام" .."الراحه".... "رفرفة القلب " -اذا ما وجد ضالته- هو بمثابةُ إعلانٍ لـ حربٍ ضروس تَستلزمُ خَوضَ سِجالٍ من اﻹقناع لنيلِ نَصرٍ هو من الأساس حليفُكِ ولكنَّ ارضاءَ القيل والقال يَفرضُ على الأنثى اﻹجهاد واﻹجتهاد في هكذا مواقف!... المهم يا أُختاه أن تَعلمي أنه ليس من الحكمة أن تَخرجي من الحريةِ التي تملكين إلى ﺁسرِ حريةٍ "موهومةٍ" لتُرضي بذلك أهواءَ من حولك..... رأُيكِ واختيارك مرهونٌ بما تُريدين أنتِ... وأنتِ وحدك.....
و على إثر صدى هذه الكلمات خرجت مُسرعةَ إلى الطرقات لتُنجزَ ما عليها أن تُنجزهُ من الأعمالِ والمهمات وبين الفينةِ والأخرى تَسترقُ النظرَ إلى قدميها للتتأكد من أنها تسير هذه المره مُنتعلةً حذائها الأسود الأنيق!