الثلاثاء، 9 فبراير 2016

دهاليز الصمت...


كـ عادتي كلما حاولت الهرب من ضوضاء نفسي ناشدةً للصمت  المؤقت و لو لبضع دقائق معدودات علَّني أسترجع سكينتي فـ تأخُذني قدماي بدون وعيٍ مني إلى حديقتي “السرية” والتي لا تحتوي على بحيرةٍ أو  شلال ماءٍ مُنهمر ولا يوجد فيها حتى سِربُ إوزٍ أو بجعٍ جائعٍ ينتظرُ بـ نَهمٍ من الزائر بقايا  خبزٍ لـ يُطعمه....كل ما فيها كثبانٌ من الرمل للأراجيح و "السحاسيل" المنتصبة فوقها للأطفال و بضع شُجيرات هنا و هناك تتراوح بألوانها بين الخُضرةِ الربيعية والصُفرةِ الخريفية....وأنا هناك جالسة وعلى حجري رواية "احببتك اكثر مما ينبغي".......

مرتْ بضع دقائق طويلة أخرى وأنا على نفس الحال , لا أزال في نفس الصفحة ,ذهني مُتخم بأحاديث الصباح...بذلك المشهد الذي أستوقفني زميلٌ لي كي أُشاهدهه معه....
عوائل مدكوكة دكا في قارب خشبي كـ خرفان في زريبة تستعد للذبح في ليلة العيد قد فرو بأنفسهم  مع ما تبقى من فتات إنسانيتهم يحملون أرواحهم على أكُفهِم و أطفالهم على أكتافهم يتمايلون يُمنة و يسرى مع ميلان موج البحر... إمراه تلهج بالدعاء …أخرى تصيبها نوبة ذعر فُجائية: راح نغرق والله غير نغـــــــــــــــــــرق ....
يحاولون تهدئتها حتى لو كان الثمن تكميم فمها و قطع النفس عنها ولكن قدرها كان أسرع منها و منهم فـ مال القارب بسرعة حالما تلاطمته الامواج و علآ صراخهم إِذانا منهم بإعلان لحظة النهاية ......
يُحدِّثُني مُستطردا عن صديق عراقيٍ لاجيءٍ حاليا في تركيا يُحاول جاهداً أن يَفِرَ من كبد العيش من قهر الحرب من ضنك الحياة بروحه مغامرا مع زوجته عبر البر والبحر إلى بلاد ما وراء النيران أملاً و طمعاً بفجر يوم جديد على أرض تُسقى بالماء عوضا عن سيل الدم المنهمر بالمجان!!!...
وفي كل ليلة يتنازع هو و زوجته و قد دب بينهما الخلاف هل نخوض مع الخائضين أم نبقى لـ ننتظر فرجا لظلمة ليلٍ بات جليا أنه لن ينجلي.....

تبددت أفكاري لوهلة بفعل قهقهات طفلين و والدتهما يلهوان معا بالرمال تارة و تارة أخرى تحتضن أمهما أحدهم بينما الأخر يريد أن يتسلق لعبة ما فـ تنادي عليه أمه :-
  No it’s dangerous!!! ... تعال هون حبيبي و تمرجح معنا.......
و ليكتمل المشهد مر من أمامي شابين في مقتبل العمر يتحادثان  بلهجة سورية : كِلُن ماتو وأنا وجِدي و سِتي جينا هون شو بدنا نعمل وعم ندور ع شِغل هاي حال الدنيا ......

رن موبايلي لينتشلني من كل هذا الشتات وكانت صديقتي المتصلة .....
- اه شوفتي شو صار اليوم؟؟
- شو صار؟
- يا حراام إجوا جماعة الصحة ع الصيدلية تفتيش و سألوني إنت الصيدلانية المسؤولة  قولتلهم اه , و يا حرام دقروا ع زينب لإنها عراقية بدهم يتأكدو إذا بتشتغل ولا لاء حتى يخالفونا, فـ قولتلهم هاي متدربة و هاي ورقة تدريبها و لسا ما تخرجت من الجامعه.... ولما إجا يحيى الصيدلاني العراقي , وعِرف باللي صار طلب مني و هو مكسور الخاطر أعمله ورقة تدريب وأنا ختمتها باسمي ......كتير صعب الموقف عن جد لأنه يحيى  فهمان و معه خبرة بس لانه عراقي ما بقدر يشتغل بشهادته .....
- اشي بيضايق  والله بس شو الواحد بده يقول إنتِ كمان لا تزوديها عليهم و بالأخر فيكي تهوني عليه بس "تزَكرْي" انه الصيدلية إله كونها بمصاريه ومشارك الدكتور مديرك , فـ يعني إشي بخفف على إشي بدل ما كل شي "مسخمط" هيك...

انتهت المكالمة "الجميـــــــــلة" فـ أَعدتُ النظر إلى الكتاب بين يدي قَسرا وقد استملكني الملل و ضاق صدري بكل ما أردتُ الفِرار منه لاجده مُلقىً بين يدي  حينما استوقفتني فقرة ملعونة أعدتُ قراءتها مرارا :
-أتفتقدين وطنا يقمعك؟.
-أيفتقدك وطن تخجل منه؟.
ابتسمت: أنتِ سريعة البديهة .
قلتُ بلا مبالاة : وأنتَ جاحد.